السبت ٢٦ / سبتمبر / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo منتخب مصر يتعادل سلبيًا مع أنجولا ويفقد أول نقطتين بالتصفياتlogo أمام الأمم المتحدة.. مدبولي يطرح رؤية مصر لإصلاح النظام الدوليlogo البنك المركزي يثبت أسعار الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراضlogo عصمت يبحث مع سفيرة قبرص دعم الربط الكهربائي وزيادة الاستثماراتlogo صنع في مصر.. قناة السويس تتوسع في تصنيع الوحدات البحريةlogo في نيويورك.. إشادة دولية بالدور المصري في احتواء أزمات المنطقةlogo الرئيس السيسي وعمار الحكيم يبحثان تعزيز الأمن والاستقرار العربيlogo منتخب مصر يتعادل سلبيًا مع أنجولا ويفقد أول نقطتين بالتصفياتlogo أمام الأمم المتحدة.. مدبولي يطرح رؤية مصر لإصلاح النظام الدوليlogo البنك المركزي يثبت أسعار الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراضlogo عصمت يبحث مع سفيرة قبرص دعم الربط الكهربائي وزيادة الاستثماراتlogo صنع في مصر.. قناة السويس تتوسع في تصنيع الوحدات البحريةlogo في نيويورك.. إشادة دولية بالدور المصري في احتواء أزمات المنطقةlogo الرئيس السيسي وعمار الحكيم يبحثان تعزيز الأمن والاستقرار العربي

بين هزّ الأجساد وهزّ القلوب.. وداعًا هاني شاكر

بين هزّ الأجساد وهزّ القلوب.. وداعًا هاني شاكر

عادل خفاجي يكتب:


عندما نتحدث عن مطرب حقيقي أصيل، فنحن لا نبحث في أرشيفه عن عدد "المشاهدات" أو ضجيج الشهرة، بل نفتّش عن قيمة فنية قادرة على الصمود في وجه الزمن، وعن صوت لا يكتفي بإطراب الآذان، بل يسكن الوجدان.
إنه الفرق الجوهري بين فنٍّ عابر يكتفي بـ"هزّ الأجساد" في لحظة صخب، وفنٍّ خالد يبرع في "هزّ القلوب" لسنوات طويلة. ففي زمن حفلات سيدة الغناء العربي أم كلثوم، والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، والموسيقار فريد الأطرش، وغيرهم من عمالقة الطرب الأصيل، كانت الكلمات تُكتب بوقار، واللحن يُصاغ بدمع القلب، ليكون الفن رسالةً ترتقي بالإنسان، لا ضجيجًا وصخبًا يمران كطيفٍ عابر.
لقد برز في هذا الامتداد "أمير الغناء العربي" هاني شاكر؛ الفنان الذي لم يكن مجرد مطرب يؤدي أغنيات عاطفية، بل كان حارسًا لمدرسة الطرب الراقي. أحبّ فنه بصدق، فبادلته الجماهير حبًّا بحب، ومنحته لقبه الأثير عن اقتناع؛ لأنه آمن بأن الفن أخلاق وإحساس قبل أن يكون مجرد ألحان.
ومن يتابع المشهد الغنائي حاليًا يجده منقسمًا إلى تيارين متناقضين: فنٌّ يعيش على الإثارة اللحظية، وفنٌّ يسكن الذاكرة لعقود. هناك مطرب يراهن على الإيقاع الصاخب والكلمات الضحلة التي تُشعل حفلات يرقص فيها المراهقون والمراهقات لساعات، بينما يزرع الآخر في القلب رجفةً لا تنطفئ بكلمة صادقة، أو شجن يحمل وجعًا أو حنينًا أو معنى إنسانيًا عميقًا.
إن مطرب "الحظ واللحظة" اليوم قد يحصد ملايين الجنيهات ، لكنه يُستهلك سريعًا كأي موضة عابرة؛ إذ يصبح الجسد هو المتلقي الوحيد لهذا اللون، وتنتهي الأغنية بانتهاء صخب الحفلة. إنها "موسيقى الاستهلاك السريع" التي تُحرّك الأطراف، لكنها تعجز عن ملامسة الأرواح.
أما المطرب الحقيقي، فهو من يجعل المستمع يصمت إجلالًا، ويتأمل، ويتذكر حبيبًا، أو يبكي وطنًا. وهذا ما جسّده هاني شاكر طوال مسيرته؛ فقد اتكأ على الكلمة الرقيقة واللحن الراقي الذي ينفذ إلى الأعماق دون استئذان. وعندما تولّى رئاسة نقابة المهن الموسيقية، حاول أن يعيد للساحة هيبتها المفقودة؛ فحارب العشوائية، وتصدى للإسفاف، مؤمنًا بأن دور الفنان هو الارتقاء بالذوق العام، لا الانحدار خلف "الترند" والربح السريع.
فعندما يغني هاني شاكر، لا تتحرك الجوارح بقدر ما تتحرك المشاعر. تسمع أغنياته بعد عشرات السنين، فتجدها نابضة بالحياة؛ وهنا يتجلى الفرق بين من يصنع "ترندًا" ينطفئ مع الفجر، ومن يصنع تاريخًا تزداد قيمته مع مرور الأيام.
الفن القائم على الإثارة يشبه الألعاب النارية؛ يلمع للحظة ثم يتلاشى تاركًا خلفه الدخان، أما الفن الذي يخاطب الروح فهو كالنور الهادئ الذي يمنح الإنسان الدفء والسكينة.
وفي الختام، سيبقى هناك فرق شاسع بين من يملك حفلة صاخبة، ومن يملك وطنًا في القلوب؛ بين من يثير صخبًا ينتهي بانتهاء الموسيقى، ومن يترك لحنًا يتردد في صدورنا كلما اشتقنا إلى الزمن الجميل.
لقد رحل الجسد، لكن القلوب التي هزّها هاني شاكر بصوته ستبقى وفيةً لإرثه، تحكي للأجيال القادمة أن الفن الحقيقي لا يموت.
رحم الله أمير الغناء العربي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم محبيه وجمهوره الصبر والسلوان.